الشيخ محمد رشيد رضا
39
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
جليل مبجل في أعينهم من اليتين - أي مكة والطائف . وذلك انهم قبحهم اللّه كانوا يزدرون الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه بغيا وحسدا وعنادا واستكبارا كقوله تعالى مخبرا عنه ( 21 : 36 وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ ) وقال تعالى ( 25 : 41 وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا ) وزاد ابن كثير انهم كانوا مع ذلك معترفين بفضله وشرفه ونسبه وطهارة بيته ومرباه ومنشئه صلّى اللّه وملائكته والمؤمنون عليه وانهم كانوا يسمونه الأمين ، واستشهد على ذلك بشهادة أبي سفيان لهرقل بصدقه والثناء عليه يوم كان أشد أولئك الأكابر مجاهرة بعداوته ومكرا به ، كأنه يعني أن ما يعلمون من فضائله الذاتية والنسبية والبيتية ينبغي أن يكون مقنعا لهم بأنه أولى من جميع أولئك الأكابر الحاسدين له بالرسالة وبكل كرامة صحيحة من الحكم العدل العليم الخبير ، ولكن حسد الأكابر وبغيهم ، وتقليد من دونهم لهم بتأثير مكرهم ، قد كاناهما الباعثين لهم على تلك الأقوال فيه ، والافعال في عداوته ومعاندته وقوله تعالى « اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ » حجة لأهل الحق على أن الرسالة فضل من اللّه تعالى يختص به من يشاء من خلقه ، لا ينالها أحد بكسب ، ولا يتوسل إليها بسبب ولا نسب ، وعلى أنه تعالى لا يختص بهذه الرحمة العظيمة ، والمنقبة الكريمة ، الا من كان أهلا لها بما أهله هو من سلامة الفطرة ، وعلو الهمة ، وزكاء النفس ، وطهارة القلب ، وحب الخير والحق . وكان أذكياء العرب في الجاهلية على شركهم باللّه تعالى يعلمون ان الصادقين محبي الحق وفاعلي الخير من الفضلاء أهل لكرامته تعالى وعنايته كما يؤخذ من استنباط أم المؤمنين خديجة في حديث أم المؤمنين عائشة في بدء الوحي فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما قال لخديجة رضوان اللّه عليها « لقد خشيت على نفسي » قالت له : كلا فو اللّه لا يخزيك اللّه أبدا : انك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتي الضيف وتعين على نوائب الحق . هذا لفظ مسلم وذكر الرازي أن في قوله تعالى ( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ) فيه تنبيها على دقيقة حقيقة بالذكر « وهي ان أقل ما لا بد منه في حصول النبوة والرسالة البراءة من المكر والغدر والغل والحسد [ وقولهم ] « لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ » عين المكر والغدر والحسد